أطباءٌ غامضون، أطباءٌ حسّاسون، أطباءٌ)
غريبو الأطوار، أطباءٌ ستحسبهُم مرضَى ملاعين لو لم ترى دليلا على غيرِ ذلك،
يسألونني نفس الأسئلة، ينسُبون لي كلامًا لم
أقُله، يُحاولون علاج اِكتئابي الفطريّ كيميائيًا
و يُغطّون على تخاذل بعضِهم البعض حتّى أرغب بالصراخ)
’’ شايفة ان ده إقتباس رائع لحالتى النفسيه والصحيه وصراعى مع الدكاتره
أكتر من خمس دكاتره محدش فيهم قدر يحدد عندى ايه
كل اللى حاسه بيه انى فعلا محتاجه حد يساعدنى حد يقولى ايه اللى بيحصلى ده
يوم ورا يوم وحالتى بتسوء مش عارفه هل انا وصلت لمرحلة معينه ونوع خاص من الجنون ؟ سؤال فعلاً عاجزه إنى اجد ليه رد مقنع لو كنت بحاجه لعلاج مستعده بس الاقى حل ‘‘
الاثنين 4-10-1987
(رحلوا، لم يستأذنهم الموت، لم يفاوضهم، ولم يمنحهم فرصة التوديع، كل ماركضوا خلفه يوماً تركوه خلفهم على عجل، وانسحبوا مجبرين بهدوء من الحياة !)
’’ عمرى مافكرت اكتب مذكراتى بس يمكن لانى حاولت كتير اخرج اللى جوايا
ومحدش صدقنى
دايماً نظرات الشك والتكذيب فى عيون اى حد بيشوفنى
انا نفسي مش مصدقانى
مش عارفه ازاى وصلت فى يوم وليله للوضع ده
انى شاكه فى اى حاجه وكل حاجه
انا عمرى ماكنت كده بالعكس
كنت بتعامل مع الناس بحسن نيه
فاكره اللحظه اللى قابلت فيها زوجى العزيز ساجد
كان يوم مش زى اى يوم فى حياتى
كنت البنت المجنونه دلوعه ابوها
اللى حاول بشتى الطرق يعوضها عن غياب امها اللى ماتت وهى بتولدها
إحساس صعب اوى انك تتولد فى الدنيا من غير ام ..
سلمت انفاسها الاخيره بعد ماخرجتك للحياه
ووهبتك روحها .. بتحس انها امانه لازم تحافظ عليها
لاطول وقت ممكن ..وبرغم ان جواك حته منها
مطمناك الا انك محتاج وجودها جنبك
محتاج ايديها اللى تضمك فى وقت ضعفك وانكسارك
يوم ماقابلت ساجد
كانت صدفه غير اى صدفه تانيه
كان جاى يسال عن الحاج محمد العطار
فاكره اليوم ده كويس اوى
كنت واقفه قدام بيتنا مع زمايلى فى المدرسه
وهو كان جاى يسال عن والدى بخصوص شقه للايجار
لانه من القاهره وبيدرس فى جامعه طنطا
كان جاى لوالدى من طرف شيخ سعيد الاطربي
صاحب والدى من سنين
وبرغم ان والدى ولامره اجر شقة فبيتنا لحد عازب
الا انه وافق احترام لصديق عمره
مرت سنتين على وجود ساجد معانا فى البيت
كان والدى بيحبه ويحترمه جدا
وكان بيقرب كل يوم لينا عن اليوم اللى قبله
اما انا فربطتنى بيه علاقة حب من طرف واحد
حبيته اوى كان مينفعش يعدى يوم من غير ماشوفه
من ورا الباب او من ورا الشباك
من غير مايحس بوجودى
فى الوقت ده كنت خلصت المرحله الثانويه
وإكتفيت بالقدر ده فانا مكنتش من هواه المدرسه ولا الدراسه
اكتفيت بالقدر ده من التعليم ووالدى احترم رغبتى
كانت كل امورنا طبيعية
لحد يوم وفاة والدى
صعب اوصف احساسي وقتها
انسحاب هادئ لأمان وجودك فالحياه
وكأن الموت بيطلب منك تعيش جثه بتنبض فيها الروح
موت ابويا كان موت الامان والدفا
موت الحنيه والسند
موت ام من جديد
احساس بالوحده وبالضياع
اما عن اخويا الوحيد شهاب
اللى تقريبا معرفش عن حياته الكتير ولا هو يعرف عن حياتى حاجه
مكنش ينفع يتنازل عن منصبه فى شركه استثماريه كبيره
وزوجته واولاده ويدفن نفسه معايا فى بيت صغير فى طنطا .
**
استسلامى للوحده كان بيكبر يوم عن يوم
احساس بالفقد والاكتئاب
قدر يخرجنى منه ساجد
كان اقرب ليا من اخويا اللى بتربطنى بيه صله الدم فقط
كان امانى من الدنيا بجشعها وطمعهم فى بنت صغيره لسه مكملتش عشرين سنه من عمرها
لحد اليوم اللى اتخرج فيه لما رسملى امل جديد
وفاجأنى بطلب للزواج
لحظة اى بنت بتعيش تتمناها مع حد سلمته قلبها
لحظه سعادة واحساس بالانتصار على الظروف
حلم بمستقبل جديد مليان حب وأمان اكتر من اللى فى حياتك
بس الحلم كان فى حالتى صعب
فى وجود رفض تام غير مبرر بسبب منطقى من اهل ساجد
عائلة ارستقراطية من اصول تركية
اغلبهم من حقبة البشاوات والبكاوات
اللى لسه مش مقتنعين بارتباط نسبهم بعامة الشعب
بس كان موقف ساجد تجاهى وتمسكه بيا
وتحديه لاهله موقف يحسب ليه عندى خلانى احبه اكتر من الاول
وإتجوزنا رغم حرمانه من الميراث وطرده برا قصر اهله وقطع اى علاقة بيه
مكنش يملك من حياته غيري ووظيفة قدر يحصل عليها وقصر خاله
اللى كان ساجد وريثه الوحيد بعد وفاته
**
8 سنين من عمرى مرت علينا
الحياه معاه كانت مستقره دايرة من السعادة والحب
نتيجة ليها كان فريده وياسين
الثلاثاء 5-10-1987
____________
اغلقت تلك المذكرات وانا فى حاله ذهول
كيف لى ان لا اعلم بوجود اخ لى ؟
كيف ينسي خالى شهاب ان يخبرنى بشئ هام كهذا ؟
وكأنها تفصيله صغيره نسي ان يخبرنى بها
كيف ان اعيش عمرى بجانب صوره صغيره لامى وشقيقتى
مفقود منها وجود اخى الاكبر ؟
مددت يدي بجانبي وجذبت تلك الحقيبه بهدوء وانا ابحث عن تلك الصور
لاجد تلك الصوره التى تقف امى بها وبجانبها شقيقتى واخى
ياسين ؟؟
ترا مالسر الذى تخفيه ملامحك الطفولية تلك ؟
حتى يُنسى وجودك؟
اعتدلت فى جلستى وانا اضع بجانبي تلك الصوره
وفتحت من جديد مذكرات امى باحثاً عن الكثير
**
(أحيي قدرتي على الصبر والصمت وحبس تلك الكلمات بعينى
اما عن الصدر فقط تعب من تلك الأبتسامة القبيحة على شفتاى )
’’ فاكره اليوم ده كويس جدا .. اليوم ده بدأت حياتى تنهار فيه تدريجياً
رجع ساجد من الشغل فى حاله ارهاق شديد
صداع غريب تملك منه
عيون حمرا ورعشه ماشيه فى كل حته فى جسمه
دكاتره كتيرو مفيش اى نتيجه استجابه لحالته اللى بتدهور بسرعه كبيره
انقطع شغله وبدأت الفلوس اللى بتيجي من ايجار البيت متكفيش العلاج
كان لازم حل سريع دورت على شغل كتير بس كان صعب اهتم بيه وبالبيت والولاد
وخصوصا انه كان محتاج حد دايما جنبه
مكنش فى قدامى غير انى ابيع البيت
وننتقل لقصره بنجع حمادى .
الاربعاء 6-10-1987
(أرض واسعة وفضاء غير منتهي ومازالت اوجاعى أكبر بكثير من أن اتماسك لأجلها)
’’ من اللحظه الاولى اللى دخلت فيها البيت ده وانا حاسه بإنقباض
وشعور غريب عاجزة عن تفسيره
برغم فخامة منظره والاعتناء بيه
وحديقته المزهره بالاشجار المثمره
وريحة الورد اللى بتعطر المكان
مساحه شاسعة لوجودى انا وزوجى العزيز
واولادى الصغار
كارهه فعلا المكان بس
كان لازم استقرعشان اهتم بزوجى المريض
رغم ان ايامنا الاولى فى هذا المكان كانت عاديه
الا انى لاحظت تقدم ساجد فى العلاج بشكل واضح
واستجابته للادوية
وبدأ فى استعادة عافيته
لحد ماشفى تماماً ‘‘
الجمعة 8-10-1987
(وكأن قلبي في الضلوعِ جنازة
أمشي بها وحدي وكلي مأتَمُ
تلك الكلمات القليلة اقتباس لنبضات قلب
لم يعرف فى تلك الحياه سوى
الافتقاد اشكرك لوضع مسحوقك السحرى فوق ومضات كيانى )
صباح جديد ..اتحركت ناحيه الشباك ووقفت اتأمل المنظر الرائع للشمس وهى نازله بخيوطها الدهبيه على اوراق الشجر
منظر اكتر من رائع بيخلق جواك تفائل وامل
نزلت بسرعه للمطبخ وانا بحضر الفطار لزوجى ولاولادى
انتيهت من تحضير فطار شهى وطلعت تانى عشان اصحيهم
دخلت لياسين وفريده وداعبت خصلات شعرهم
وانا بدندن ليهم اغنيه طفوليه رقيقة
استيقظ ياسين وهو يبكى
واستيقظت فريده على صوت ياسين اللى كان بيبكى بشكل هستيري مبالغ فيه
- مالك ياحبيب ماما فى ايه ؟
رد عليا ياحبيبي واهدى
اكتر من ربع ساعه وانا بحاول اهدى ياسين اللى كان بس باصص ناحيه الباب بخوف وقلق ونظرات شرسه غاضبه خارجه من عنيه
رغم انه كان ماسك فيا جامد وفى حضنى
وضوافره الصغيره بتحفر طريقها فى لحم ايدي
وفجأه خبي راسه فى صدرى وهو بيدارى عنيه بايد
وايديه التانيه بتشاور على الباب
رفعت وشي وانا اضمه بقوه وانا بلتفت ناحيه الباب
رعشه بارده مسكت كيانى مع نظرتى ناحيه الباب
خوف ..ايوة خوف
حاولت على قد ما قدرت اهدى ياسين اللى بعد دقايق من محاولاتى
نطق بصوت مهزوز بكلمات زلزت كيانى
وكأن حد سحب قلبك من مكانه وانت فيك الروح
- بابا راح عند ربنا
رعشة اطرافى اللى اعلنت استسلامها عن الانقباض
وعضلات جسمي اللى ارتخت تماما
طلبت من فريده تهتم باخوها اللى تركته معاها بصعوبه
واتحركت ناحيه اوضه ساجد
وانا بقدم رجل وباخر التانيه
تصديق لهاجس طفولى
وتكذيب لفكره عابثه بعقل طفل لم يتعدى عامه الخامس
حيرانه بين الاتنين
انقباضه خوف
مع غصه انزعاج
مع حاله من اللاوعى من وقع الكلمات على نفسي وقلبي معاً
مديت ايدي على مقبض الباب وفتحته برفق
وانا اتأمل بخوف جسد زوجى النائم على فراشه
مغطى بغطاء حريرى وردى اللون
تحركت وانا اقدم قدم
واسحب الاخرى من التقدم
وقفت قدام سريره
وانا اناديه مداعبه برغم تلك الابتسامه العالقه بحلقى
- حبيبي صباح الخير ..يلا قوم الفطار جاهز
ساجد يلا ياحبيبي الساعه بقت 9
يلا قوم تعالا نفطر النهارده فى الجنينه الجو حلو اوى
... ولكن مردش عليا مفيش اى اجابه
قربت خطوات بسيطه وانا بحاول اراقب انفاسه
بحاول اتاكد ان لسه النفس موجود
نفس النفس اللى كان بيأنس وحدتى وانا فى حضنه
بس النفس مش واضح
ايوه مش واضح
ضعيف اوى
او يمكن بيتهالى انه موجود
قربت وانا بحاول اتمالك صدمتى
وعيون اطفالى اللى كانوا واقفين على باب الاوضه ورايا
وهم بيبصوا لجسم ابوهم الممد بلا حركه
سحبت الغطا الوردى من على جسده بهدوء
لاسقط على ركبتى بجانبه
وانا احتضن غطاء جسده البارد
واصابع يدى اللى كانت بتتحسس بقعه الدم الكبيره
اللى حوالين راسه وانا انظر لاذنه الممتلئه بالدم
وانفه اللى كان بيها قطرات من الدم المتجلطة
حتى عيونه المغمضه بهدوء النائم
وهى بتدمع دم
لمعة عيونى الممتلئة بالدموع
ورعشه جسدي المسحوبه روحه
ونظره اطفالى وهم بيبكوا بحرقه
وشلل تام للزمن والوقت من حواليا
فقدان اب وزوج وصديق
فقدان للامان مره تانيه
فقدان للذات
فقدان لمعانى الحياه
موت
ايوه بس موت
الاحد 10-10-1987
(لا اعلم ايهما اختار
هل اختار الحزن ام اختار القوه......!!
امام تلك العيون الحزينة الغاضبه فى ان واحد ...!!
رغم تلك السنوات
لم يتغاضوا عن تلك القسوة المتحجرة بقلوبهم العمياء التى عجزت ان ترى الحب فى اعيننا
مازالوا ينظرون لى بنظرات الكره هذه وهمساتهم المتناقلة بين اذانهم ونظراتهم التى تفصل ملابسي وبيتى
حتى اولادنا الصغار
انى ايقن جيدا بانهم يشعرون باننى السبب وراء ماحدث .. ( نعم يعتقدون ذلك انا السبب ولكن )
( "إن الله مع المُنكسرة قلوبهم"
انتهى العزاء بشكل طبيعي جدا رغم عبارات اهل ساجد الحارقه احيانا ونظرات الكره والغضب
بس ابتدا كل شئ بعد خروج اخر واحد من الناس اللى جايه تعزى
ايوه ابتدت
فاكره اللحظه دى كويس
فاكره خطواتى اللى بتطلع السلم بتقل شديد
وكأن حد بيمنعنى
هواء بارد فى الممر الايمن المؤدى لغرفه صغارى
لقيت درفه تلك النافذه الكبيره مفتوحة على مصرعيها
من الواضح ان الهواء فتحه
وصوت الرعد النابض فى السما مع ضوء البرق المضوى على تقارب
من الواضح ان جه وقت المطر
قربت من الاوضه اللى كنت قررت انام فيها لانى مكنش هينفع انام فى الاوضه اللى كنت بنام فيها مع ساجد كانت فيها ضحكاتنا ولحظات السعاده اللى ربطتنا حتى خلافتنا فيها
خوف من شبح الذكريات
اتاكدت من ان فريده نامت... كانت اصرت عليا تنام جنبي النهارده فى الاوضه اللى حضرتها لنومى ونقلت فيها بعض اغراضى
اما ياسين فأصر انه ينام فى اوضته لوحده
قفلت الباب ورايا
ورجعت تانى لممر اوضه اولادى
اللى كان نايم فيها ياسين
بس كنت سامعه صوت
انا متاكده انى سامعه صوت صوت ياسين بيهمس لحد
شديت مقبض الباب بسرعه وفتحته خوفا على ابنى
لقيته .........؟؟؟؟؟






